
يَدّعي دُعاة العلمانية أن العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة والحياة، وأنها تنادي بالديمقراطية وبحرية الفرد الشخصية، بل تقدّسها. لكن هذا الادعاء انكشف عواره، وإلا فكيف نفسّر محاربة الحجاب في كثير من البلدان الغربية وفي البلاد الإسلامية التابعة لها؟
هل اختيار الطالبة للحجاب يناقض العلمانية؟ وهل يعيق التعليم حقًّا؟ أليس السفور المسموح به في مؤسسات التعليم هو العائق الحقيقي، وهو الذي يثير الشهوات والغرائز ويؤدي إلى التشتت؟ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؟!
الحقيقة أن العلمانية ليست سوى إقصاء للدين عن كل مجالات الحياة. فإذا شعروا بأن الدين بدأ يعود إلى الناس بملاحظتهم كثرة رواد المساجد وحفظة القرآن، وبمظاهر اللحية والحجاب، أصابهم الخوف، مع أنها مظاهر فردية لا تعارض العلمانية المزعومة. لكنهم يخافون أن يتحول هذا الالتزام إلى مطالبة بجعل الإسلام مرجعية التشريع، ومع أن هذا أيضًا لا يناقض الديمقراطية لأنه إرادة الأكثرية. ولكن هيهات هيهات! فأصحابها لا يريدون إلا أن تبقى القلة المستفيدة، أصحاب رأس المال، هي المتنفذة، وأن تكون الأكثرية عبيدًا عندهم.
وقد لخّص حسني مبارك هذا التناقض في خطاب أمام مجلس الشعب في تسعينات القرن الماضي، معترضًا على دعوات أمريكية لديمقراطية أكثر في مصر: «هل تريد أمريكا أن نطبق الديمقراطية كما يريدون؟ إذن سيصل الإسلاميون للحكم، هل هذا ما تريده أمريكا؟ طبعًا لا! إذن لنطبق الديمقراطية بما يناسبنا». فالديمقراطية بهذا المنطق تُمدح ما دامت نتائجها مأمونة، وتُعطَّل حين تأتي بما لا يريده أصحاب النفوذ.
ويذكّرنا بذلك ما جرى في الجزائر عام 1991–1992: فازت جبهة الإنقاذ بـ 189 مقعدًا من 231 حُسمت في الجولة الأولى، أي نحو 82%، فأُوقفت العملية الانتخابية وأُلغيت الجولة الثانية، ودخلت البلاد سنوات دامية. ووقفت فرنسا، التي يُفترض أنها بلد الديمقراطية، تدعم النظام الذي انقلب على الانتخابات ماليًا وسياسيًا، ودعا شيراك آنذاك إلى ضرورة اليقظة إن فازت الجبهة. فالاحتكام إلى الانتخابات يُفرَّغ من معناه عندما تُقبل نتائجها بشروط أصحاب القوة وحدهم.
وتكرر المشهد أكثر من مرة في فلسطين ومصر وغيرهما، مع أن الإسلاميين كانوا يعلنون التزامهم بقواعد اللعبة الديمقراطية والدستور القائم، ومع ذلك لم يُقبل منهم، لأن ظاهر الأمر أن الإسلام هو الفائز ولو شكليًا. حتى إن ترامب وصف السيسي، الذي انقلب على الديمقراطية المزعومة، بأنه «ديكتاتوري المفضل».
فالعلمانية وأدواتها، كما تُمارَس في كثير من السياقات، ليست ضمانة محايدة لحرية الجميع، بل هي غالباً أداة لحماية نفوذ قلة وإقصاء ما تختاره الأكثرية. وما محاربة الحجاب ورموز الإسلام إلا إنذار بأن التزام الناس بدينهم يُواجَه حين يُخشى أن يتجاوز الفرد إلى مطالبة عامة.
وقد يعترض معترض بأن أمريكا وبريطانيا تسمحان بالحجاب. والجواب أن هذه الحرية مسموحة ما دامت شعائر فردية معزولة لا أثر لها في السياسة والتشريع، فإذا تحولت إلى وعي عام ومطالبة بمرجعية الإسلام ظهر وجه آخر للعلمانية. أما النموذج الفرنسي فهو الأوضح، لأنه يمنع حتى المظهر الفردي. فالفرق بين الأنظمة في الدرجة لا في الأصل والغاية.
والأصل في المسلمين ألا يطلبوا حريةً تُمنح لهم حين توافق أهواء الأقوياء وتُسلب منهم حين يُختار من يُنادون بالإسلام، وفوق ذلك كله هذه المطالبة مخالفة لأمر الله. لذا وجب أن ننطلق من عقيدتنا، ونتمسك بأوامر ربنا، ونرفض مرجعية تُقصي ديننا كله عن حياتنا وليس الحجاب فقط.
وإلى دعاة التغيير والعاملين له: ثقوا بأن أدوات الغرب، من علمانية وديمقراطية وحرية، لن توصلكم إلى التغيير الجذري المنشود. وإنما الطريق الشرعي الموصل إلى النجاة والتمكين هو التمسك بطريقة الإسلام كما سار عليها رسول الله ﷺ. ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51]
د. عبد الله محمد
20/10/2026






