maqal1251026

من الطبيعي أن الإنسان كما يحركه الفكر القومي والوطني والعقدي تحركه الغرائز والحاجات العضوية من بقاء وتملك منزل وطعام وشراب... ومن الطبيعي أن شعور الإنسان بوجود خطر على تلك الغرائز والحاجات العضوية وعلى رأسها السكن والطعام والشراب أو وسائل تأمينها من وظيفة أو عمل أو مساعدات... يدفعه إلى الإحساس بقلق يكون محركا له تجاه أية خطوة يظن أنها قادرة على تفريغ ذلك الإضطراب الداخلي، أو أنها تعيد له ذلك الاستقرار الخارجي النسبي في العيش،
ومن الطبيعي كذلك أن ثقل الفرد بين الجماهير ليس هو نفسه عندما يكون وحده، ولا تلك القوة التي يشعر بها بين جموع من المحتجين هي نفس قوته الفردية أمام الدولة، ولا ذلك الإندفاع هو نفسه، ولا ذلك الإنضباط السلوكي أو التفكير العقلي، فخروج الناس في حشودات ضخمة وتجمعات كبيرة ومظاهرات حاشدة يخلق سلوك جمعي له خصائصه ومعالمه الخاصة به.
غير أن هذه الحالة من الفوضى والغوغاء وحالة العنف والتكسير والحرق والنهب، وهو ما وصفه رئيس فرنسا ماكرون بأنه شيء مخزي ومشين إنما تكشف عن أزمة فكرية وحضارية وسياسية تعيشها تلك الدول وشعوبها، ولكن يتم تفسير تلك الأزمة سياسياً ضمن قضايا الهجرة والصراع مع أحزاب اليسار، أو فكرياً وسلوكياً ضمن نظريات جوستاف لوبون صاحب الكاتب الشهير "سيكولوجية الجماهير" الذي لا شك أن ماكرون قرأه، وربما يفعل ذلك الآن علَّه يجد حلاً ينسجم مع تلك الحالة الشعبوية الفوضوية الجارية في فرنسا!
إن الفوضى الحاصلة في فرنسا وغيرها لا يمكن إختزالها كما يفعل الإعلام الخبيث في نهب المتاجر وحرق الملكيات العامة والتخريب، ولا يتحمل وزرها شعوب غاضبة من حالة عدم الإستقرار-الغرائزي والعضوي- أي العيش بمفهومه الشعبي البسيط عند تلك الشعوب، وإن كانت لا تعفى منها بسبب الغضب، فالحديث هنا ليس عن الإحتجاجات وإنما عن الأعمال التي تخللت تلك الإحتجاجات وعن ماذا تكشف؟! فالموضوع أكثر عمقاً، والحقيقة أشد مرارةً بالنسبة للسياسيين والمفكرين الغربيين الذين يحاولون التهرب من الإعتراف بها، وهي فوضى السلوك والأخلاق بسبب فوضى القيم والمفاهيم المستقاه من المبدأ الرأسمالي العلماني، وليست فوضى الإحتجاجات والأشخاص والهجرة كما صرح ترامب الذي بالغ في وقاحة تهربه من الحقيقة.
إن هذه الحالة من التحركات الشعبية العفوية أو المدفوعة وإن كانت تحصل على مر العصور وتعاقب الحضارات وتكون الميزة العامة لها هي الفوضى المشاعرية العامة والسلوكية الفردية والجماعية وعدم وجود غاية محددة وهدف واضح، ولكنها أيضا في كل عصر كانت وما زالت تعبر عن الحالة الحضارية والقيمية والأخلاقية والسلوكية لتلك الشعوب،
بالأمس القريب كانت ثورات الربيع العربي، والتي عرفت بإنضباط الشعوب ووحشية الحكومات المرتبطة سياسياً وعضوياً بالغرب ودوله، فكانت الشعوب حريصة على التعبير السلمي ولم تسقط في مستنقعات التخريب والسرقة والحرق والتدمير -بل كانت تذكر نفسها بقيم وأخلاق ومفاهيم الإسلام وتصدح حناجرها بذلك- وفي المقابل كانت الأنظمة البوليسية حريصة على القتل والسرقة والتدمير والحرق ومحاولة إلصاق ذلك بالناس كما تَكشف في حوادث كثيرة!
إن الإعتراف بالحقيقة السابقة يشكل إنتحارا حضاريا عند المفكرين والسياسيين الغربين، ولذلك يجعلون حلولهم بما يحفظ "مكياج" حضارتهم ضمن المثل الإنجليزي القديم داوها بالتي كانت هي الداء، فيحاولون التصدي لتلك الأزمة السلوكية بتسليط الضوء على غوغاء الجماهير وفوضى الإحتجاجات على أنها تعبير خاطئ عن مشاكل اقتصادية وسياسية بعيداً عن الأسباب الحضارية والفكرية! أو من خلال الخبث السياسي بإستغلال تلك المظاهر وربما إفتعال المزيد منها، أو ربطها بشعوب من قوميات وأعراق أخرى للسيطرة عليها بالقوة والقانون مع شيء من الإخراج الفني، خاصة في حالة كسر العظم وتعسر الحل، وبإخراج يحفظ هيبة الدولة وشخصية الشعب أمام نفسه، أو أن تتحول تلك التحركات أو الإنتفاضات الشعبية الطبيعية لشعوب تعيش ضمن ظروف غير طبيعية إلى رافعة سياسية تارة لليمين وتارة لليسار وتصبح مضمارا للتنافس السياسي والإنتخابي!
وفي الختام:
سوف تبقى أوروبا ضمن هذه الحلقة الطبيعية من الأزمات والإضطراب نتيجة تلك الأزمات، وما بين سياسة الحكومات والإحتجاجات على تلك السياسات، وما بين شعب يثور ورئيس يهدد، وما بين فرس جموح وسياسي مروِّض، هي ضمن تلك الدائرة المغلقة بغض النظر عن الفترة، أو الفارق الزمني بين الإحتجاجات الشعبية والأخرى وبين الإنتفاضة والتي تليها، وذلك ما بقيت أوروبا رأسمالية المبدأ قومية الهوى علمانية الهوية السياسية! ولا خلاص لتلك الشعوب ولا لغيرها إلا ببديل حضاري يوفر للشعوب الطمأنينة والسكينة المادية والنفسية والشعورية والفكرية ويعيدها إلى السلوك البشري الذي يليق بها في كل الظروف وتحت كل الأحوال، وذلك البديل هو مبدأ الإسلام العظيم لا لشيء سوى لأنه من لدن من خلق الإنسان وكرمه بالعقل ورفعه بالسلوك، وجعله مطمئنا في سكنه وعيشه ورزقه وحذره من ضنك العيش وإنحطاط السلوك وإضطراب النفس إن هو كفر وتمرد على تلك الحقيقة أو عاش في غير ظل نظامها.


د. مؤمن عبد الله

25/10/21026