ta3leq251026

وقع هجومٌ مفاجئ وغريب على مشيّعي جنازةٍ في كنيسةٍ بالكرك، راح ضحيّته العشرات بين قتيلٍ وجريح. وحتى اللحظة لم تُعلن أيّ جهةٍ مسؤوليتها عن الجريمة، ولم يُعتقل المنفّذون.
وقد فرضت الدولة حظراً على النشر في القضية وقصرته على الرواية الرسمية، إذ أعلنت أنّ المنفّذين يحملون «أفكاراً تكفيريةً متطرفة». وأكّد الملك عبد الله أنّ «هذا الاعتداء الإرهابي الجبان لن ينال من الوحدة الوطنية، ولن يفلح في شقّ صفّ الأردنيين». وصرّح رئيس الحكومة بأنّ الدولة تُسخّر أجهزتها الأمنية كافةً لجلب المجرمين إلى العدالة، موضحاً أنّ الحادثة ناجمة عن «فكرٍ تكفيريٍّ ظلامي».
بدايةً، لا يخفى على أحدٍ أنّ حرمة دماء أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين من غير المسلمين وأموالهم وأعراضهم معلومةٌ من الدين بالضرورة ومتفقٌ عليها، وأنّ الاعتداء عليهم أو ظلمهم بغير حقٍّ محرّمٌ شرعاً وكبيرةٌ من الكبائر. قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» (رواه البخاري).
ولكنّ من حقّ كلّ متابعٍ للأحداث أن يطرح أسئلةً مشروعة:
1. لم يُعتقل الجناة بعد، فلماذا تسارع الدولة إلى الحكم عليهم ووصفهم بأوصافٍ فكريةٍ جاهزة («أفكارٍ تكفيرية متطرفة»، «فكرٍ تكفيريٍّ ظلامي»)؟ إنّ هذا التسرّع في إطلاق الأوصاف قبل استكمال التحقيق والوصول إلى الفاعلين يثير التساؤل: هل الهدف حسمُ الرواية إعلامياً وتوجيهُ الرأي العام وجهةً مسبقة، بدلاً من البحث الجادّ عن الجهة المستفيدة التي تقف خلف هذا التخطيط والتنفيذ، وتستغلّ هذا التوقيت بالذات؟
2. هل شهد الأردن من قبلُ حادثةً بهذا النمط الأمني الغريب على المجتمع؟ أم اقتصر الأمر في الحوادث السابقة على روايات حكومية يكتنفها الغموض، لم تُتَح فيها لجهاتٍ مستقلة فرصةُ التحقيق في تفاصيلها، مما يجعل صحة التوصيفات الرسمية موضع تساؤلٍ في كل حدث؟
3. وماذا عن التوقيت الحرج؟ فالشارع الأردني يكتوي بأزماتٍ اقتصادية وسياسية متراكمة: ارتفاعٌ جارفٌ في أسعار معظم السلع الأساسية (وفي مقدمتها الكهرباء والماء والمحروقات)، وتدنٍّ في الأجور، وتفاقمٌ في البطالة، وأصواتٌ شعبية تطالب بأبسط الحقوق المعيشية والكرامة. ويضاف إلى ذلك الغضبُ الشعبي من القواعد العسكرية الأمريكية وانكشاف أدوارها، ومن التطبيع مع الكيان الصهيوني واستمرار إمداده بالدعم خلال العدوان، ومن سكوت النظام عن تقويض صلاحياته الشكلية المتعلقة بالمسجد الأقصى. فيبرز السؤال الجوهري: هل يريد النظام استغلال هذا الحدث المفجع لصرف الأنظار عن الأزمات البنيوية الخانقة، وتفريغ الاحتقان الشعبي بإدخال الشارع في حالة فزعٍ أمني شامل، وتمرير رسالةٍ ضمنيةٍ مفادها أنّ الوقت لا يتّسع للمطالبة بالحقوق والعدالة؟
4. لماذا يُمنع النشر في القضية إلا من الجهات الرسمية، فلا نسمع إلا ما تريد الدولة أن تُبلغنا به؟ وهل أنصفت الدولةُ الأمةَ في أيّ قضيةٍ من قضاياها؟
إنّ حرمة الدماء ودور العبادة خطٌّ أحمر حسمه ديننا، والواجب اليوم هو الوعي السياسي بالأحداث؛ فلا ننساق خلف الروايات الجاهزة، ولا نترك مجالاً لمن يستغلّ صناعة الخوف لصرفنا عن قضايانا الجوهرية ومطالبنا المحقّة.
وحريٌّ بأهل العلم والدعوة أن يستنكروا الجريمة دون أن يسبقوا التحقيق بالاتهام، فيتبنّوا الرواية الرسمية قبل التثبّت منها.
إنّ الأمن الحقيقي يُبنى بالعدل والشفافية وصون الكرامة، لا بالتضليل وتكميم الأفواه. فلنكن على قدرٍ من اليقظة حتى لا نُلدغ من الجحر ذاته مرةً بعد مرة.


د. عبد الله محمد

25/10/2026