المقالات

لو كانت قضية فلسطين قضية اقتصادية لاندثرت منذ زمن!

 ولكنها أكبر منك يا كوشنر وأكبر من دولتك ومعها دول العالم أجمع

د. إبراهيم التميمي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الأرض المباركة

 

قالت إدارة البيت الأبيض الأحد  ١٩-٥-٢٠١٩، أنها ستعلن عن الجزء الأول من اقتراح السلام في الشرق الأوسط المعروف بـ"صفقة القرن" مؤكدة أن هذا الجزء سيشمل خطة اقتصادية لتشجيع استثمار رأس المال في الضفة الغربية وغزة والمنطقة، حسبما صرح مسؤول كبير في الإدارة لشبكةCNN .

 

وقالت الشبكة أن الخطة ستعلن خلال ورشة عمل في العاصمة البحرينية المنامة يومي 25 و 26 يونيو "حزيران"، بحضور من وزراء الاقتصاد العرب ورجال الأعمال العالميين والإقليميين ووزير الاقتصاد "الإسرائيلي" كحلون، وأكدت الشبكة أن هذه الورشة سيترأسها صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر ومبعوث البيت الأبيض في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات.

 

وبحسب الصحيفة أكد كوشنر "أن الخطة ستناقش أربع مكونات رئيسية هي: البنية التحتية، الصناعة، التمكين والاستثمار في الأفراد، وإصلاحات الحكم"، وأنه عمل تفاصيل نموذجية للاقتراح الاقتصادي تحاكي قصص نجاح بولندا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية، وأكد أن الورشة ستحاول العمل على تجنب القضايا السياسية الكثيرة التي جعلت السلام بعيد المنال لفترة طويلة مثل قضايا ما إذا كان الفلسطينيون سيحصلون على دولتهم الخاصة، ووضع القدس، والإجراءات التي تتخذها "إسرائيل" باسم الأمن واللاجئين.

 

واضح من خلال التصريحات السابقة والتسريبات التي سبقتها أن ترامب وإدارته يتعاملون مع قضية فلسطين بحسب عقلية ترامب الذي عاش وترعرع في عالم المال والشركات وعشق الصفقات والمضاربات فيتخذون الناحية الاقتصادية مدخلاً لتصفية قضية فلسطين ويظهرون أن القضية أشبه بشركة تعاني أزمة اقتصادية أو دولة بحاجة إلى مشاريع تنموية وبنية تحتية، وهو أمر يظهر مدى استهتار الولايات المتحدة وسياسيها بقضايا الأمة الإسلامية ومنها قضية فلسطين ومدى حماقتهم واستخفافهم بعقيدة المسلمين ومكانتها ومدى العجرفة والعنجهية التي وصلوا إليها ووصلت إليها دولتهم -الولايات المتحدة- بحيث أنها أصبحت لا ترى أحد في طريقها وتنظر إلى أية معارضة لسياستها في المنطقة على أنها أقل من حجر عثرة يجب إزالته إن لم يكن سحقه.

 

لو كانت قضية فلسطين قضية اقتصادية لاندثرت منذ زمن، فرغم المليارات التي قدمتها الدول الكبرى للأنظمة العميلة المحيطة بالأرض المباركة، ورغم المليارات التي أعطتها الولايات المتحدة للسلطة الفلسطينية مقابل السير وفق توجيهاتهم من التنازل عن المحتل عام 1948 وحماية أمن يهود إلى محاربة أهل الأرض المباركة وإفساد أبنائها وبناتها، إلا أن قضية فلسطين ما زالت حية في قلوب المسلمين وأهل فلسطين وما زالت في أعينهم أرضا مغتصبة تنتظر من يحررها بشكل كامل غير منقوصة شبراً واحداً، ولو كانت قضية خبث سياسي في التعامل مع ملفاتها من القدس واللاجئين وتقسيم الأرض بين طرفين لو كانت كذلك لاستطاعت رأس الخبث والدهاء ومنبع السموم السياسية بريطانيا حلها منذ زمن ولكنها حاولت وفشلت وهرمت قبل أن تنجح في ذلك حتى سحب الملف من يدها، ولو كانت قضية عجرفة وعنجهية في التعامل معها لاستطاع بوش الأب والابن إنهاءها ولكنهم أيضاً فشلوا، والسبب أن قضية فلسطين ليست قضية اقتصادية أو قضية دهاء وخبث سياسي أو عجرفة سياسية ولكنها قضية عقيدة عند أمة يقارب تعدادها المليارين، قضية أرض إسلامية فتحها الفاروق رضي الله عنه وحررها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وعلى ثراها هزم المسلمون بقيادة قطز وبيبرس رحمهم الله التتار بعد أن جالوا بلاد المسلمين طولاً وعرضاً وتركوا خلفهم مئات الاف القتلى والجرحى وأهلكوا الحرث والنسل ونشروا الدمار والرعب، وقضية أرض مباركة تمسك بها السلطان عبد الحميد رحمه الله وتمسك بها المسلمون كذلك على مر العصور ودافعوا عنها ورووها بدمائهم الزكية وهي الأن كما كانت وتنتظر في أعين أطفال المسلمين قبل شيوخهم من يحررها ويعيدها مرة أخرى إلى حياض الأمة الإسلامية ودرة تاجها.

 

ولذلك مهما كانت حجم المؤامرة التي تعدها الولايات المتحدة للأرض المباركة ولقضية فلسطين، ومهما كانت تركيبة السم أو مكونات الطبخة كما يسمونها، وسواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم تجمع بين الاثنتين، ومهما حشدوا لها من الاتباع والأشياع لإنجاحها، ومهما عقدوا لها من المؤتمرات والاجتماعات، ومهما بذلوا الجهد في الجولات المكوكية التي لا تكاد تتوقف، ومهما تعجرفوا في التصريحات ولو وصل بهم الحال أن يقولوا "علينا أن نعد الطبخة وعلى البقية جلي الصحون" ... لن ينالوا مرادهم وسينقلبوا خائبين خاسرين، لأن القضية كما بيّنا أكبر منهم ومن قوى الشر جميعاً.

 

ومع ذلك كله فإن واجب أهل الارض المباركة أن يكونوا حذرين واعين على ما يطرح ويروج، وأن يرفضوا كل المشاريع التي تأتيهم من الغرب بغض النظر عن ماهيتها أو تفصيلاتها، وبغض النظر أكانت مشروع حل الدولتين أو ما يسمى بصفقة القرن أو غير ذلك، وعليهم أن يستجيبوا للواعين المخلصين الناصحين لهم، الذين طالما كشفوا لهم المؤامرات والمكائد وبينوا لهم حقيقتها والسبيل لإفشالها والتصدي لها وفضحوا القائمين عليها والمتواطئين فيها، وعلى أهل الأرض المباركة أن يجعلوا اتكالهم على الله الذي يرد كيد الماكرين إلى نحورهم كما رد مكر قريش بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى نحرها فعادت تجر أذيال الخزي والندامة، وهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأقام دولة الإسلام رغم أنوفهم قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).

 

ومن ثم على أهل الأرض المباركة أن يعتمدوا على أنفسهم ليبقوا الصخرة الكأداء التي تحطمت عليها كل المشاريع الغربية السابقة واللاحقة بإذن الله، وأن لا يركنوا لمن خذلهم مرات ومرات وتنازل وتخاذل وخان وباع وتجار بالدماء والتضحيات تحت مسميات وطنية وشعارات ثورية كاذبة، فهؤلاء قوم تكشفت حقيقتهم وبانت عورتهم ومن السذاجة التعويل عليهم.

 

كما إن واجب الأمة الإسلامية أن تسقط الأنظمة العميلة، وتسلم الحكم لقيادة سياسية واعية، تقيم دولة الخلافة التي تحرك الجيوش لاقتلاع هذه الشجرة الخبيثة -كيان يهود- من جذورها، وتبتر الأيدي التي كانت تمدها بالماء والغذاء سواء أكانت من الدول العظمى أو الأنظمة العميلة.

٢٠-٥-٢٠١٩