المقالات

الانتخابات وأوهام التغيير

(فراغ الشعارات وتيه البرامج)

"2"

بقلم: يوسف أبو زر

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الأرض المباركة فلسطين

 

تكلمنا في الجزء السابق من هذا المقال عن أن الفساد هو إطار الانتخابات الفلسطينية وإطار نتائجها، بحيث لن يكون بوسع  الداخل في تلك الانتخابات والخارج منها إلاالتعامل مع الفساد "البنيوي" للسلطة والتكيف معه، على أننا لو تجاوزنا مفهوم الفساد في اطار الانتخابات وظروفها  والغرض منها، فسنرى أن  الفساد ليس فقط في الاطار، بل هو كذلك في التفاصيل، بمعنى أن الفساد -مثلا لا حصرا-  هو في التشريعات الباطلة والقوانين الجائرة التي لا عدل فيها ولا رادع، وفي نظام مصرفي يقوم على الربا أغرق الناس في القروض والديون، وفي مالية تقوم ميزانيتها على مال الظالمين المسيس الذي يكرس التبعية وعلى مال المظلومين الذي يجبى ظلما، وعلى اقتصاد رأسمالي مشوه لا سيطرة فيه على الموارد، مما يعني أنه لا موارد، والفساد كذلك في وجود عدد هائل من المؤسسات ذات التمويل الأجنبي التي تنشر المفاهيم الغربية، وأجهزة أمنية متضخمة لا دور لها إلا حراسة ما سبق.

وهنا فإن محاربة الفساد لا تكفي فيه الشعارات ولا النوايا، فشعار محاربة الفساد ليس هو محاربة الفساد، فهو مجرد شعار، بل لا بد لإزالة الفساد من منظومة صحيحة صالحة من المفاهيم والأسس والأنظمة والبرامج لتزيل تلك الفاسدة السابقة، فهل من يروجون للدخول في الانتخابات لمحاربة الفساد يملكون هذه البرامج؟ والمهم كذلك هل تتوفر لديهم إمكانية تطبيقها –إن وجدت– في ظل الاحتلال الذي يتحكم بكل الموارد والتفاصيل والمفاصل ولا يسمح منها إلا بالقدر المحسوب؟

الواقع يقول إنه لا توجد لدى الحالمين في محاربة الفساد أية رؤى أو برامج، لا إجمالية ولا تفصيلية، ولا توجد إمكانياتها على افتراض وجودها، وهنا لا يستطيع المشارك "المحارب للفساد" سوى أن يكون حركة صوتية تصرخ في فراغ، أو أن يتعامل مع قضايا جزئية بمنتهى الصغر لا يقارن جدواها بـ"كبر"  المشاركة في عملية إعادة شرعنة وتجديد سلطة أوسلو.

على أن تيه البرامج أو قل انعدامها ليس أمرا متعلقا فقط بالفئة التي تحلم بالانتخابات كفرصة لمحاربة "الفساد"، بل هو سمة الفصائل وطروحاتها، فالفصائل لا تملك برامج لما ذكر أعلاه ولا لغيره، ولا حتى للغرض الأساسي الذي يفترض أنها  قامت لأجله وهو "إزالة الاحتلال"، فقد بات البرنامج الوحيد للفصائل هو إعادة تجديد نفسها ومواقعها، وخارطة مصالحها، ولا محتوى لديها لتقديمه أكثر مما كان في السنوات السابقة، وما عند الفصائل والسلطة معروف، ولأنه لا جديد لديهم فإن توافقاتهم لا تعني سوى لملمة الفشل السابق تحت سقف واحد بخليط مشلول، وتوافقاتهم ليست إلا هروبا للأمام وقفزا عن أسباب الفشل وتجاوزا لجريمة أوسلو ونهجها التفاوضي وكارثية دور السلطة وتنسيقها الأمني، وهي الأمور التي لم يجرِ بحثها أصلا، وهذا الأمر لا شك هو انتكاس في المواقف لمن كان يرفض أوسلو، ولذلك فإن هذه الانتخابات، والتي تجري في مرحلة يفترض أنها مرحلة التحرر من الاحتلال، لن  تستوعب أية برامج "تحررية" من الاحتلال على افتراض أن هناك من يتوقع ذلك، وإذا اتفقنا على أن الفساد الأكبر في فلسطين هو الاحتلال فإن هذه الانتخابات ليست لها علاقة بإزالته.

إن السلطة ومعها الفصائل لم تستطع في موضوع الانتخابات أن تقدم للناس سوى أماني عامة مزيفة، وتفاهمات القاهرة التي جرت في مطلع هذا الشهر ليست برنامجا انتخابيا، وموضوع "كالمصالحة" ورواتب الموظفين والتعيينات والمعتقلين السياسيين ليست بحاجة إلى انتخابات، ومن العار أن تكون مثل تلك الحقوق والمظالم  في سياق الانتخابات، بل إن العار أن تبقى هذه المواضيع قائمة لتستهلك 15 عاما ضمن ما يبدو "كصراع فلسطيني – فلسطيني" إن صح التعبير وبوساطات وجولات من المفاوضات في مكة والدوحة والقاهرة وإسطنبول وأخيرا في القاهرة مرة أخرى. فهل هذه السلطة والفصائل التي ستشاركها في الانتخابات هم أيدي أمينة على قضية فلسطين وعلى أهلها؟! وهل انتخاباتهم التي يروجون لها ومجلسهم التشريعي الذي سيعبر عنهم ويحمل إرثهم يرجى منه لأهل فلسطين وقضيتهم خيرا؟! خاصة بعد أن جعلوا مصالح أنفسهم وتجديد بقائهم هو "المشروع"، وصراعاتهم وحلولها هي "القضية"، فيما الاحتلال جاثم على صدور الجميع؟

إن الانتظار من المجلس التشريعي المرتقب ومن الانتخابات الفلسطينية أن ينتج عنها تغيير أو أن تسهم في التحرير كالانتظار مما يسمى بـ "المجتمع الدولي والشرعية الدولية" حل قضية فلسطين! وذلك لأن جميع الأطراف (من سلطة وفصائل) واقعون في ذات الخطأ من حيث الفكرة والنظرة، وهم يدورون في دائرة الخطأ تلك منذ عقود وذلك حين قبلوا أن تفصل قضية فلسطين عن الإسلام وعن الأمة الإسلامية، حيث فصلت عن الإسلام من أن تكون أحكامه أساسا للحل والنظر لقضية فلسطين، وعن الأمة الإسلامية من أن تكون هي صاحبة القضية والمسؤولية، واستبدلوا بكل ذلك تلك النظرة الوطنية التي حصرت قضية فلسطين بالفلسطينيين ومن ثم بالضفة الغربية وغزة في ظل سلطة تحت الاحتلال بكل مكوناتها.

ولذلك فإن من يرى الدخول في السلطة وانتخاباتها لمحاربة الفساد وإصلاح الأوضاع هو كمن يريد شد البراغي وإصلاح المقاعد في مركبة متهالكة متجهة في طريقها نحو الهاوية، وإن أفضل ما يمكن أن يقوم به أهل فلسطين تجاه تلك الانتخابات هو كشف الغطاء عمن عبث بهم وبقضيتهم متكلما باسمهم ومدعيا تمثيلهم، وذلك بالنأي عن تلك الانتخابات وعدم الانجرار إلى فخها بشرعنة الباطل وتجديد المبطلين أنفسهم، هذا هو الصوت الذي ينبغي على أهل فلسطين إسماعه، ولعله أقوى الأصوات وأشدها تأثيرا.

                                                                                  "يتبع"

20-2-2021