المقالات

موجة الغلاء

رغم الأسباب الطارئة ... حكامنا سبب أصيل

بقلم: يوسف أبو زر

في حالة تبدو ملامحها كارثية، خصوصا على فقراء العالم وكثيرون هم، بدأت موجة من ارتفاع الأسعار بشكل كبير شملت الكثير من السلع الأساسية ومن أهمها المواد الغذائية، وهذه الموجة عالمية وهي مرشحة للتوسع في بقية السلع وغير مرشحة للانتهاء سريعا وذلك لطبيعة الأسباب المرتبطة بها.

 لا يقف سبب واحد مباشر وراء موجة ارتفاع الأسعار، بل هي مجموعة من العوامل تضافرت على تفاوت في إسهامها لتنتج هذه الحالة، بل وترشح استمرارها وامتدادها، ويضاف إليها سبب أصيل حاضر دوما في كل الأزمات باستمرار وهو الجشع الرأسمالي وعبث القوى الكبرى المتحكمة.

أما عوامل الارتفاع الذي كان متوقعا للأسعار فإنها تتلخص في التالي:

*زيادة الطلب العالمي بشكل كبير مع عودة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها بعد جائحة كورونا وذلك بعد الانقطاع أو التعثر فيما عرف بـ "سلاسل الإمداد"، وقد ترجمت تلك الزيادة عمليا بزيادة الطلب على الإنتاج وعلى مدخلاته وخاماته، كما ترجمت بالطلب المرتفع على نقل البضائع مما أدى إلى ارتفاع أسعار النقل عالميا إلى معدلات عالية، وأما في الصين وأمريكا   فإن الأمر قد بدأ قبل ذلك من خلال الطلب المجنون لتخزين الخامات لمجرد توقعات انفجار الطلب المكبوت عالميا.

*أدت الاستجابة إلى الطلب المرتفع عالميا وعودة العجلة الإنتاجية لتعمل بوتيرة كبيرة إلى ارتفاع الطلب على الطاقة اللازمة للإنتاج، في الوقت الذي تعاني فيه الدول الكبرى أصلا في أوروبا والصين من أزمة في الطاقة اللازمة لإنتاج الكهرباء -لأسباب لا يتسع المقام لذكرها- مما حد من قدرة الصين على الاستجابة المطلوبة للإنتاج ومنها إنتاج خامات المعادن، ويرتبط بهذه النقطة –أي ارتفاع الطلب على الطاقة -الارتفاع الحاصل في أسعار النفط وبالتالي مشتقاته حيث التوقعات بارتفاع سعر البرميل إلى 100دولار.

* وأما بالنسبة للمواد الغذائية فإن الارتفاع فيها قد بدأ منذ شهور وذلك بسبب المخاوف والتوقعات لمواسم الجفاف والعوامل الجوية في كثير من مناطق العالم، وكذلك ترشيد بعض الدول لصادراتها الزراعية بل وفرض البعض منها ضريبة على الصادرات كما فعلت روسيا في صادرات القمح، وبالمقابل زيادة الطلب للتخزين من بعض الدول كالصين، وقد أضيف لما سبق ارتفاع أسعار النقل، وكذلك ارتفاع أسعار النفط مما أدى إلى تحويل بعض المحاصيل لإنتاج الوقود الحيوي كالذرة حيث ساهم كل ذلك في ارتفاع الأسعار.

*سياسة ما يسمى بـ "التيسير الكمي"  وسياسات الدعم وضخ الأموال التي قامت بها الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا في فترة "الكورونا" للأفراد والشركات مما أوجد كتلة نقدية ضخمة، بل وازدياد في معدلات الادخار، مما نتج عنه ارتفاع كبير في معدلات التضخم (ارتفاع الأسعار) في أمريكا بالذات وفي أوروبا، وبالرغم من ذلك لا يظهر أن الحكومات في أمريكا وأوروبا لها نية في كبح التضخم بأدوات نقدية كرفع أسعار الفائدة، بل يظهر أنهم اختاروا الصبر على التضخم لصالح استمرار النمو، وهذه الحالة توجد انخفاضا في سعر الدولار وقوته الشرائية مما يؤثر بدوره على بقية العالم.

  إن تضافر هذه العوامل السابقة الذكر أثر على الكثير من السلع في العالم ولا يزال، وبحيث أن قائمة السلع المرشحة للارتفاع في ازدياد وذلك لارتباط السلع ببعضها من حيث كونها سلع بديلة أو مكملة، وسواء كانت خامات أم سلع وسيطة أم منتجات نهائية، وللعوامل ذاتها فإن الأزمة مرشحة للاستمرار كذلك لفترة ما حتى تعود الأسعار للاستقرار، مع أن عودة الأسعار للاستقرار لا يعني بالضرورة عودتها إلى المستويات القديمة فسرعة الاستجابة لارتفاع الأسعار أقل منها الاستجابة لانخفاضها.

  وفي منطقتنا الإسلامية، فإن حكامنا هم سبب الغلاء الأصيل قبل أن تكون الأسباب الطارئة، وهم السبب المحلي قبل أن يؤثر السبب الخارجي أو العالمي، فضرائبهم وجماركهم هي الجزء الأكبر من سعر أية سلعة، وهم الذين دأبوا على رفع الدعم عن السلع وكشف الغطاء عن الفقراء قبل أن يأتي الغلاء، فلا هم رعوهم ولا كفوهم ولا أغنوهم.

ومع أن حالة الغلاء الأخيرة هي حالة عالمية ونحن ضحاياها، إلا أن هذا الوصف بالذات هو جريمة حكامنا لا مبررهم، فالعجز هنا جريمة وليس عذرا لمن يفترض بهم أن ينهضوا بالأمة وقدراتها ومقدراتها، وهم الذين عبر عقود من حكمهم المشؤوم لم تملك شعوبهم أي نوع من الكفاية الإنتاجية والاعتماد على الذات.

 أما كون العجز في هذه الأزمة ليس عذرا أو مبررا  فإن الأمة الإسلامية تمتلك من موارد الثروة وعناصر الكفاية ما يفوق الخيال، مما يمكنها من أن تكون قاعدة العالم الصناعية وسوقه التجارية وسلة غذائه وممرات نقله، حتى إن تأزم العالم كانت هي القادرة على انتشاله أو على الأقل كفاية نفسها، فالعنصر البشري والأرض الشاسعة ومنها الزراعية والتعدد المناخي ووفرة الموارد الطبيعية ومنابع الطاقة بأنواعها  والتواصل الجغرافي والوقوف على أهم معابر العالم يجعل من غير الطبيعي، بل من الممتنع أن تنشأ لديها أزمات تتعلق بالأمن الغذائي أو أزمات الطاقة أو النقل.

  وأما أن هذا  العجز هو جريمة،  فذلك أن الحكام أبقوا هذه الأمة في حالة من التخلف الاقتصادي عارية من أي غطاء تجاه الأزمات، وذلك عندما لم يعرفوا من الاقتصاد نموا ولا تنمية، اللهم إلا الجباية والضريبة، ولم يعرفوا من المال العام إلا النهب والسرقة، ولم يتصرفوا بالموارد إلا برهنها للأجانب وتسليمها لهم فكان دورهم أنهم نواطير للمزارع لا أكثر، وهم لا يرون في مواردهم البشرية الهائلة إلا عبئا سكانيا ينبغي تقليله، ولم يعرفوا من العلاقة مع العالم إلا التبعية التامة، فصارت شعوبهم من أبناء المسلمين ضحايا للدولار إذا انخفض وللمصنوعات إذا ارتفعت و للأغذية إن شحت، بل وصرنا ضحايا نفطنا إن رفع الغرباء الغربيون سعره، حتى صار كيان يهود المسخ يبيعنا ماءنا وغازنا وينقب عن نفطنا في أرضنا.

 

    وأما الأفظع من ذلك كله فهو وقوفهم في وجه تطبيق الإسلام العظيم، وتعطيل أحكامه ونظامه وحرماننا من بركاته، فالإسلام هو الكفيل بتحقيق الوحدة فتتكامل الموارد، وهو الذي يوجب استقلال القرار وعدالة التوزيع ونفي الجشع والرحمة للعالمين، ومن ثم اتقاء الأزمات مهما كان نوعها، ولكنهم -أي هؤلاء الحكام – من خلال ما سبق ذكره ما كان حالهم إلا كما وصف الله تعالى في كتابه (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار) إبراهيم (28).

  وأخيرا، سيبقى المسلمون وبقية البشر ما بين الأزمة والأزمة إلى أن تأتي دولة الإسلام، القائمة قريبا بإذن الله، فيأتي معها الخير للمسلمين بل وللبشرية كلها في دنياهم وأخراهم، لتطوي بإذن الله صفحة البؤس الرأسمالي وتطبق الإسلام، فتنزل السماء حينئذ بركاتها وتخرج الأرض خيراتها، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا ييَكْسِبُون)