المقالات

أعلام الدول ليست مجرد قطع قماش، فكيف تُقرأ من ناحية سياسية؟!

 

د. إبراهيم التميمي*

عرفت البشرية الأعلام منذ زمن بعيد، وبعض الروايات تقول إن أول من استخدم الأعلام، بمفهومها السياسي الذي يرمز للنفوذ والقوة والسيادة والسيطرة لدولة أو مملكة، هم الصينيون القدماء وتحديداً سلالة الزو، الذين حكموا الصين بين عام 1122 ق.م وعام 256 ق.م، وروايات تتحدث عن الهنود وعن غيرهم، وبعيداً عن مدى دقة هذه الروايات فإن الراجح أن استخدام الأعلام بشكلها السياسي ظهر قديماً قبل الميلاد، حيث كان لا بد من شعار سياسي يظهر مناطق نفوذ الدولة أو المملكة والأراضي الواقعة تحت سيطرتها وكذلك يمثل جيشها، وكان شكل العلم يستوحى من أشياء ترمز للقوة والسيطرة ومن الطبيعي كان شكل العلم بمفهومه السياسي البدائي وما يحمله من رموز يتأثر أحياناً بالطبيعة الجغرافية، وأحيانا بأساطير موروثة مثل التنين، وحيوانات ترمز للقوة مثل النمر والنسر-المملكة الفارسية الأخمينية - وحيوانات أخرى غالباً تكون منتشرة في مناطق المملكة أو الدولة، وأحياناً يتأثر بالعقيدة مثل الصليب في بيزنطة وروما، وأحيانا بأدوات القتال المعروفة كالسيف والدرع والرمح وغير ذلك.

وعندما أقام رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام في المدينة المنورة، وهي ليست دولة عادية أو مملكة أو إمبراطورية بل جاءت بشكل سياسي جديد ونظام حكم فريد لم تعرفه البشرية سابقاً، وهو نظام الخلافة المعروف والمفصل في الكتب السياسية والشرعية الإسلامية والذي يقوم على نظام الوحدة الواحدة والحكم المركزي، فكان لا بد للدولة من راية وعلم، على عادة الدول والممالك وحتى قبائل العرب كان لها أعلام ورايات، وقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بوصفه حاكما ورئيسا للدولة وبوصفه رسولا من عند الله يوحى إليه، اتخذ علما للدولة، فكانت راية سوداء مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهي راية تمثل عقيدة الدولة والمبدأ الذي تقوم عليه -مبدأ الإسلام- وكانت الدولة أين ما وصلت وحلت تُنزل كل راية ولا تبقي عليها، كما حصل مع فارس وبيزنطة، ويرفع مكانها راية الإسلام، لأن نظام الدولة ليس فدراليا ولا كونفدراليا وإنما نظام الدولة الواحدة، فلا بد من علم واحد، ولأن نظام الدولة لا يعترف بأقلية ولا أكثرية ولا قومية ولا عرق فكان لا بد من راية موحدة تظل من يحملون التبعية للدولة بظلها بغض النظر عن دينهم أو لونهم أو عرقهم.

وأصبحت أوروبا تنظر للمبدأ الإسلامي ولدولة الإسلام نظرة العدو، الذي سيفني حضارتها ودولها وممالكها وإمبراطوريتها لأنه يتخذ الجهاد لكسر الحواجز المادية والحدود مع الشعوب والأمم طريقاً لحمل رسالته، وبالتالي فإنه يقضي على الكيانات الموجودة كما حصل مع فارس وبيزنطة وغيرهم، فاتخذت الدول الأوروبية الصليب عنواناً ورمزاً لها بأشكال وألوان مختلفة في الحملات الصليبية لمواجهة المسلمين وعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومع بداية القرن الثالث عشر تبلور شكل العلم عندهم أكثر بعد معركة بين استونيا والدنمارك حيث اعتمدت الدنمارك علم لها لونه أحمر وعليه صليب أبيض وأصبح لكل دولة أوروبية علم، وحصل تطور وتغير على شكل الأعلام مع حصول النهضة والثورة الصناعية في أوروبا وفصل الدين عن الدولة وتحييد الكنيسة واعتماد المبدأ الرأسمالي، ورغم ذلك إلا أن أعلام الكثير من الدول الأوروبية بقيت متأثرة بالموروث الصليبي مثل المملكة المتحدة والبرتغال وإسبانيا وسويسرا والنرويج والدنمارك واليونان وغيرها الكثير، واتخذت كل دولة حديثة مستقلة بالمعنى السياسي -تمتلك القرار في سياستها الداخلية والخارجية- علماً لها اختارت ألوانه ورموزه وأشكاله بقرار ذاتي مستوحى من ثقافة أو تاريخ وأحداث مهمة أو عقيدة أو فكر أو مجرد ألوان وسطور يكفي بنظر السياسيين أو المصممين للأعلام، وما يعرف بـ(فيكسيلوغرافي) لتلك الدول أنها اختيرت لتمثل الدولة دون الحاجة لتفسير ألوانها وأشكالها، ولأن النظام الرأسمالي يبقي على القوميات والوطنيات ولأنه غير قادر على صهر الشعوب في بوتقة واحدة فهو يقوم على النفعية والأنانية والمصلحة تَرَسخ وجود علم لكل دولة، وإن كانت تحكم بنظام منبثق من ذات المبدأ الرأسمالي، فأصبح لكل دولة علم، سواء أكانت من الدول الكبرى المؤثرة في السياسة الدولية والموقف الدولي مثل أمريكا وفرنسا وبريطانيا أو كانت غير مؤثرة مثل فلندا وهولندا والنمسا والمجر والبرازيل والأكوادور وغيرها.

أما الإتحاد السوفيتي الذي حمل لواء الشيوعية والاشتراكية فقد اتخذ علماً محدداً وموحداً مستوحى من الثورة على الرأسمالية التي تستعبد الناس وخاصة طبقة العمال والفلاحين، فحمل العلم شعار المنجل الذي يمثل الفلاحيين والمطرقة التي تمثل العمال وكان يحاول أن يقوم بعملية الصهر المبدئي والدمج الكامل للبلدان والشعوب التي يحكمها، ولكنه سقط واندثر سريعاً لأنه خالف الفطرة وناقض العقل وتفككت دوله واتخذت كل واحده منها علما لها، كما فعلت روسيا وأوكرانيا وجعلته مستوحى من رموز وعقائد وأفكار أو مجرد علم يمثل الدولة ونفوذها وسياستها على غرار الدول الرأسمالية، وكذلك فعلت الدول الاشتراكية الأخرى مثل الصين بعد أن تخلت عن المبدأ الاشتراكي وأصبحت رأسمالية في الكثير من أنظمة الحكم وخاصة الاقتصادي.

ولو نظرنا لوجدنا أن وجود الأعلام وتعددها في ظل الرأسمالية أمر طبيعي، وأن وجود علم لكل دولة بغض النظر عن شكله ولونه وهل هو مستوحى من أصول معينة أو أنه شعار، مجرد أمر عادي فأين تكمن المشكلة في تعدد الأعلام في بلاد المسلمين هل هو في شكلها أو أنه في لونها أو أنه غير ذلك؟

تكمن المشكلة في ثلاث نقاط أساسية وهي سياسية ومبدئية وشرعية: -

السياسية: -

إن أعلام الدول في بلاد المسلمين لم يرسمها أو يختارها المسلمون، وهي ليست كالعلم الأمريكي الذي اختاره السياسيون بعد التحرر من نفوذ بريطانيا ومن ثم توحيد أمريكا، حتى أن العلم الحالي هو رقم 27 فقد مر بعدة تغيرات كانت بناء على أحداث ومفاصل سياسية، وقد صمم العلم ليرمز للوحدة والتحرر من الاستعمار البريطاني -الخطوط 13 التي تمثل عدد المستعمرات التي تحررت من النفوذ البريطاني- وعدد الولايات والنظام المطبق -الفيدرالي-، وهي ليست كالعلم الهندي أو الفرنسي أو الروسي ولا حتى كعلم باربادوس أحدث جمهورية في العالم وإحدى جزر الأنتيل الصغرى التي انفصلت عن التاج البريطاني بشكل تام قبل أيام فقط، فحتى تلك الجزيرة الصغيرة جدا -431 كيلومتراً مربع-علمها يحمل رسمة رمح متعد الرؤوس إشارة على التحرر من الاستعمار البريطاني عام 1966.

وإنما هي أعلام خطتها بريطانيا ولحقت بها فرنسا بعد اتفاقية سايكس-بيكو التي قسمت دولة الخلافة فكان الاستعمار المباشر، ومن ثم رسختها بعد الانسحاب العسكري والهيمنة من خلال التبعية والولاء لمن نصبتهم على البلاد والدول، وهذا من ناحية سياسية كافٍ لكل دولة إن كانت تحترم نفسها وقرارها وسيادتها أن تدوس على العلم الذي فرض عليها وتختار غيره، فحتى كيان يهود المصطنع والذي أوجدته بريطانيا اتخذ علمه بقرار سياسي ذاتي وجعله مرتبطا بعقيدتهم التوراتية ونظرتهم التوسعية، وفي المقابل قبلت منظمة التحرير بعلم فلسطين الذي وضعته بريطانيا قبل أن تحيي مشروع الكتاب الأبيض وتتبنى مشروع الدولة الواحدة، وجعلته علما يرفرف وهي مجرد سلطة حكم ذاتي ذليل، وبطشت بمن نال منه ووصفه بأنه صنع الاستعمار، ولو تفكرت قليلاً لوجدت أنه لو لم يوجد هذا العلم وغيره -أي لم تسقط دولة الخلافة ورايتها ولم تُستعمر بلاد المسلمين من بريطانيا وفرنسا- لما قسمت بلاد المسلمين ولما احتلت فلسطين، ولما وجد كيان يهود، الذي سفك الدماء الزكية، التي يحاول البعض تضليلا وصفها بأنها هي من أعطت للعلم قيمته، رغم أن أعداء الأمة هم من خطّوه وأن الشهداء قدموا أرواحهم للتخلص من الاحتلال والمستعمرين ونفوذهم!

المبدئية: -

إن الشعوب الإسلامية تحمل مبدأ الإسلام، وهو عقيدة ينبثق عنها نظام، وهذا المبدأ له نظام حكم محدد يعرف بنظام الخلافة القائم على نظام الوحدة الواحدة والحكم المركزي، وقد طبق في دولة الخلافة لما يقارب ثلاثة عشر قرنا، وأُقصي عن الحكم بعد سقوط الدولة التي ضعفت كثيراً لتعثر في التطبيق ناتج عن سوء في الفهم، ولكن هذه الشعوب بقيت تعتنق مبدأ الإسلام الذي فيه نظام الحكم الثابت، وهذه الشعوب ما دامت متمسكة بمبدئها الإسلامي لا يمكن أن تقبل بالأعلام المختلفة رغم حالة الشذوذ السياسي الذي تعيشه اليوم، وسرعان ما تستعيد رايتها بمجرد امتلاكها لقرارها السياسي الذاتي الداخلي والخارجي.

الشرعية: -

إن أمة الإسلام هي أمة مقيدة بكتاب ربها وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويجب عليها الالتزام بكل حكم شرعي جاء في الكتاب والسنة، والرسول صلى الله عليه وسلم بيّن للمسلمين في الحديث الصحيح ماهية الراية -العلم- واللواء أخرج الترمذي وابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ». وبيّن عليه الصلاة والسلام أين ترفع ومتى وهكذا كانت الدولة، أما اختلاف اللون في بعض فترات حكم المسلمين فلم يكن من منطلق قومي أو وطني أو غير ذلك فالخلافة العثمانية لم تختار الهلال تأثراً بالأشورية ولا من منطلق القومية التركية وإنما أن حكامها وجدوا هذه الراية تمثل الإسلام طبعا مع بقاء الراية السوداء واللواء الأبيض المنقوشة بعقيدة التوحيد في كل فترات الدولة، أما العلم التركي الحالي فهو يمثل الجمهورية التركية ويعبر عن القومية والوطنية ولو تطابق مع راية الدولة العلية -الدولة العثمانية- وكذلك علم ليبيا والجزائر وموريتانيا وتونس وإن سمح لها بإبقاء الهلال والنجمة، وتفادياً لذلك فقد فصلنا في كتاب أجهزة الدولة الألوية والرايات وكيف تستخدم ومتى ترفع وأين توضع وكذلك أنه يجوز أن تكون لكل فرقة أو كتيبة راية خاصة تميزها -إداريا- ولكن على أن ترفع مع الراية لا أن تكون بديلاً عنها لتكون ضمن التقسيم الإداري كاسم الجيش ورقمه الأول والثاني والثالث والمشاة والبحرية والجوية... فهذه تقسيمات إدارية من المباحات وقد ورد عند الطبراني في الكبير عن مَزِيدَةَ الْعَبْدِيَّ، يَقُولُ: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَدَ رَايَاتِ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَهُنَّ صُفَراً» .

والخلاصة أن علم فلسطين والأردن واليمن والعراق والجزائر والمغرب والسودان وإندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين ليست أقمشة بل هي أعلام تدل على الفرقة والتبعية والخضوع لمن وضع الأعلام، وهي رموز وألوان ليس كما تقول الكذبة أنها مستوحاة من الثورة العربية التي -بحد ذاتها خيانة ومؤامرة بريطانية- ولا علاقة لها بقصيدة صفي الدين الحلي التي هي بريئة منها، بل هي رموز وألوان تدل على الخنوع السياسي والانفصام المبدئي والمخالفة الشرعية وتقسيم بلاد المسلمين وتفتيتها على يد الغرب، وأحدث مثال على ذلك عَلم جنوب السودان بعد أن فصلته أمريكا وعملائها عن السودان عام 2011 على غرار السياسة البريطانية الخبيثة في التفتيت والتقسيم، وحتى التغيرات التي أجريت على بعضها مثل العراق، لا تخرجها عن ذلك الواقع الاستعماري وتبقى ضمن نفس الدائرة من الخضوع وفقدان الاستقلالية والقرار ومكانها تحت أقدام السياسيين الواعيين والمدركين لحقيقتها سواء أكانوا مثقفين أو من العوام.

ونختم برسالة مارك سايكس في 22 فبراير عام 1917 إلى المقدم السير فينسنت آرثر هنري مكماهون في مصر وهي موجودة في الأرشيف الوطني البريطاني في لندن وصورة عنها في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة اكسفورد.

"أقترح عليكم بعض الرسوم والألوان التي تمثل الممالك العربية والرسوم -شكل الرسوم على الأعلام- وأرجو أن تغفر لي هذه الخربشة السريعة لكنني لم املك سوى 25 دقيقة لإنجازها بما فيها الرسوم" مارك سايكس.

فهل بعد ذلك يقبل مسلم عاقل واع بأعلام الاستعمار التي قسمت الأمة وضيعتها وأذلتها ويترك راية الإسلام التي توحد الأمة وبلادها وتجمع شملها وترجع هيبتها وترهب أعداءها؟!

قال تعالى ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]

 

*عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الأرض المباركة فلسطين