عندما أسمع كلمة الرعاية أو أحد مشتقاتها يتجه فكري إلى المعاني الكبيرة التي تحملها هذه الكلمة أو الكلمات، ، فمما تعنيه هذه الكلمة أن الراعي يحفظ رعيته من كل خطر ويحافظ عليها ويبعدها عما يسبب لها الضياع والهلاك، كما يتفقد أمورها وأحوالها فيوفر لها الأمن والغذاء والدواء.
 
وإني أكاد أجزم أنَّ الكثيرين من أبناء الأمة الإسلامية في هذه الأيام قد أصابهم شيء من سوء الرعاية، فعندما أنظر في البلاد الإسلامية من شمالها إلى جنوبها ومن مشرقها إلى مغربها أراها تعيش في بؤس وشقاء، ولا أظن أن مقاما كهذا يصلح لاستعراض أو خوض في طرح التفاصيل، فالجعبة مليئة بالتقصير والإهمال والإضاعة، وإنني بطرحي لبعض النواحي أو الأمثلة فإنني لا أنفي التقصير في نواح أخرى أو أبرئ أحداً من الرعاة فهم في التضييع سواء.
 
فليس من الرعاية أن تسلم السلطة في فلسطين أمر فلسطين إلى الأمريكان والأوروبيين وكيان يهود، وليس من الرعاية أن يسمح حكام باكستان وأفغانستان إلى حلف الناتو استخدام أسلحتهم وطائراتهم وصواريخهم للفتك بالأطفال والشيوخ والنساء والرجال لا بل بالفتك بكل ما هو موجود، وهل التعاون الأمني والاستخباراتي مع أعداء الأمة وإسلام أبنائها للأمريكان من الرعاية؟!
 
 أوَ تظنون أن سياسة الحديد والنار التي لا يكاد ينجو منها بلد إسلامي هو من الرعاية؟؟ لكم أن تنظروا إلى مباني السجون والمخابرات ثم توجهوا بنظركم إلى المستشفيات والعيادات الصحية لتتجلى لكم الرعاية بصورتها البشعة، فلعلكم تشاهدون أو تعلمون الفرق الكبير بين عدد السجون والمستشفيات؛ فالحاجة الماسة هي للسجون والزنازين وكأن المرض قد غاب عن بلاد المسلمين فلا يحتاج الناس إلى العيادات والأدوية والتطبيب!!
 
 وإذا ما قدر لك أن تتعامل مع مشفى أو عيادة حكومية فعليك أن تكون على درجة عالية من الصبر، فهنا جهاز معطل وهناك نقص في الدواء يضطرك للذهاب إلى إجراء الفحص خارج المستشفى الحكومي أو شراء الدواء من صيدلية خاصة، هنا نقص في الأَسِرَّة وهناك طابور من الناس لحجز دور لمراجعة الطبيب الاختصاصي،
 
 وإذا ما احتاج المرء إلى إجراء عملية جراحية لا قدر الله فانتظار شهور أو تحويل إلى مدن أخرى أمر لا مفر منه إن لم تكن قد وافته المنية قبل إجراء العملية، ولن يسلم من هذا إلا أصحاب الوساطة والمحسوبية. قد يستهجن البعض أو لا يصدق ما أقول لكنّ زيارةً إلى هذه المراكز أو مخالطة بعض من يتعاملون معها ستؤكد أن ما أوردته هو نزر يسير وما خفي كان أعظم.
 
وإذا ما تحدثت عن التعليم ومناهجه فالوضع ليس أحسن حالا، فالرعاة جعلوا للكافر على المسلمين كل سبيل حتى في مناهج التعليم، فقد أعلن الكفار مراراً عن وجوب تغييرها ولن يكون آخرها مطالبات وفد لجنة الحريات الأمريكي لشيخ الزهر في أواخر كانون الثاني من العام 2009 أثناء زيارته مصر بتشكيل لجنة لمراجعة وتنقية الكتب والمناهج الدراسية بالأزهر، وإلغاء تدريس الموضوعات التي تتناول عقائد الأديان الأخرى بدعوى أنها تحض على كراهية أتباعها ،
 
 إلا أنَّ شيخ الأزهر طمأنه وأكد أنه تم بالفعل تطوير وتحديث المناهج خلال الفترة الأخيرة، ناهيك عن الأجور الزهيدة التي يتقاضاها المعلمون وبشكل مقصود سيراً واقتداء بالنهج الاستعماري الإنجليزي القديم الذي حرص على تجهيل الناس وصرفهم عن التعليم بأساليب شتى منها تخفيض أجور المعلمين، فركز هذا المستعمر في البداية على معلمي اللغة العربية وذلك حتى يضعف فهم الناس لقرآنهم وإسلامهم، واتبع حكام الضرار سَنَنه شبراً بشبر وذراعاً بذراع .
 
أما الجوعى والعطشى والحفاة والعراة فحدث عنهم ولا حرج، تنقَّل من الصومال إلى باكستان ومن بنغلاديش إلى مصر، تنقل حيث شئت لتسمع كل عجيب وغريب، ولعلك شاهدت في الفضائيات هلاك الحرث والنسل؛ والهياكل العظمية لأطفال عراة لم يجدوا كسرة خبز أو شربة ماء نظيفة أو قطعة قماش تكسوا جسدهم الهزيل أو حبة دواء تدفع عنهم خطر الأمراض، فالجميع شاهد الفقراء في مصر وهم يصطفون للحصول على جرة غاز تقيهم البرد في الوقت الذي يتدفق فيه غاز مصر إلى يهود بفضل رعاية حكام مصر لهم (طبعا رعايتهم ليهود)!!
 
 تصفح الإنترنت لتعرف عدد الفقراء ونسب البطالة في العالم الإسلامي، تابع مسيرات الاحتجاج على فرض الضرائب والمكوس التي أرهقت كاهل الناس وأقلقت عيشهم، حتى أصبح هاجس الناس هو كيف ننجو من هؤلاء الجباة الذين يتربصون بنا في كل مكان في الليل والنهار؟؟ وفي الوقت نفسه تسمع كل يوم عن فضيحة فساد هنا أو هناك، وتسمع وتشاهد سرقة أموال وثروات، تشاهد ثراء الحاكم وزبانيته، تشاهد قصوراً تبنى وأموالاً تبدد، تشاهد بأم عينك تمكين الكفار من ثروات المسلمين ونفطهم.
 
أشاهد وأشاهد في كل مجال، أسمع وأسمع في كل مكان وزمان، فلا أجد للرعاية في بلاد المسلمين في هذا الزمان مكان، أجد حكاما قد غشوا رعاياهم وأذلوهم وضيعوهم، قتلوهم بل وأسلموهم لأعدائهم، أجد حكاماً قد صمّت آذانهم عن قول الحبيب المصطفى "فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"، وعميت أبصارهم عن قوله عليه السلام: « مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّة ، يَموتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةَ».
 
لقد صدق المثل القائل "من استرعى الذئب فقد ظلم"، نعم فمن استرعى أمثال هؤلاء الحكام فقد ظلم نفسه، فكيف يقبل المسلمون أن يعيشوا هذا الذل والهوان في ظل هؤلاء الحكام، ألا تتوقوا أيها المسلمون إلى مثل رعاية محمد عليه الصلاة والسلام؟ أوَ لم تشتاقوا إلى أمثال أبي بكر وعمر؟؟
 
أمجد المقدسي