لماذا لأن هذه الثورة رفعت من أيامها البكر شعارات مختلفة عن كل الثورات، إنها ثورة الشام
لا شرقية ولا غربية، بدنا خلافة إسلامية
هي لله
قائدنا للأبد سيدنا محمد
حتى أصبحت شعاراتها وراياتها المزينة بعبارة التوحيد أيقونة الثورة النقية التي تعبر عن تفكير ووجدان أمة بأكملها
وبقيت نقية من أي تلوث واتساخ بأدران الديمقراطية والحكم المدني والدولة الحديثة
كانت تلك الثورات تجهض كل اللجان التي كانت تشكل للتحايل عليها
الثورة التي حبست أنفاسنا يوما، وأبكتنا أياما، ورأينا فيها همة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
الثورة التي حاربها العالم كله بالمواجهة تارة وبالتحايل تارات أخرى.
لم تكن الثورة ترى نفسها إلا بين مصيرين إما أن تنتصر وتقيم دين الله أو يستشهد أهلها حتى آخر طفل فيهم.
ثورة تحملت كل معاني الألم والجوع والتعذيب وأكثر من ذلك، وكانت مستعدة لأن تدفع الثمن حتى تصل بثورتها من عتمة ليل إلى فجر لا ليل فيه ولا ظلم ولا ظلام
ولم يكن اسقاط الأسد هو الغاية النهائية وإن كان أهل الثورة يتعبرونه نقطة التحول التي تصل بهم إلى الهدف المنشود.
بين ليلة وضحاها سقط الأسد وقد تهللت لسقوطه الأرض وفرح لسقوطه كل مسلم عايش الثورة وويلاتها وآلامها وآمالها،
حتى غزة في جرحها كانت فرحة وهي تعرف وحدة الحال والمصير مع الشام
كان الثائرون المحتفلون يرددون شعارات:
ما نسيناك يا فلسطين
وجايينك يا غزة
لكن في عجاج الفرح كان التخوف يتسرب إلى القلوب كالثلج البارد:
كيف ستكمل الثورة طريقها؟
كانت أصوات كثير من أهل الشام تقول اصبروا ولا تستعجلوا، لكن عجلة المتعجلين وخشية المتخوفين لم تكن في حصد النتائج
بل كانت نتيجة رؤية الوقائع، فأعداء الثورة من روس وأمريكان وأوروبيين بدأوا يصلون إلى القصر الجديد، وسكان القصر الجدد بدأت تظهر عليهم ملامح فقدان الذاكرة، وبدأت العلاقات تنسج مع قاتل الأمس كأنه أقرب المقربين للثورة وأهلها وأهدافها.
وضع سكان القصر أهداف الثورة ومبادئها وراء ظهورهم، واكتفوا بالوقوف على مذابح بشار وأقبية الموت والتعذيب والاغتصاب، أما الثورة ذاتها فقد تنكروا لها تنكرا أخذ يتعاظم مع الوقت حتى تنكر الشرع للربيع العربي مع أن ثورة الشام ولدت في بستانه وكانت زهرته المتألقة!
ثم تنكر للخلفية الإسلامية للثورة أو أي مشروع إسلامي مع أن ثورة الشام هي ثورة الإسلام،
كأنه يقول أنا لست من الثورة، وإنما غريب استطاع أن يلج القصر من خلالها بمساعدة يد أو أيد خفية ليست من جنس الثورة، وكأنه يقول أنا الجسم الغريب الذي دخل بين الثوار ليجهض الثورة في ساعات المخاض الأخيرة، أو يقضي عليها مع أول نفس تذكر الله فيه!
وبعدها لن تستغرب استعداده للتطبيع والسلام مع الكيان الذي لم يتوقف لحظة عن قصف سوريا، وعن العمل على تمزيقها بلا مواربة، وانتزاع السويداء وما بعد السويداء من الشام، طبعا عدا عما يقوم به الكيان المجرم من جرائم كل ساعة على أرض غزة والتي هي من دم الشام ولحمها، ولا أعرف كيف طوعت لسكان القصر الجديد أن يتكلموا عن عدم التردد في التطبيع مع الكيان إذا كان يخدم سوريا ، وفي عرف السياسة أن التطبيع مرحلة متقدمة عن مجرد السلام، ولا أعرف كيف طوعت لهم ألسنتهم الكلام عن مصافحة قاتل لا زالت يداه تقطر من دم غزة، وهل يسلم من يصافح من يده ملطخة بالدماء بل غارقة في بحر الدماء النازفة؟
اللهم إلا إن كانت دماء غزة لا تعني له شيئا، وهذا في حد ذاته انقلاب على الثورة بل وتصريح لم يجرؤ عليه مجرمو سوريا من قبل الأسد الأب والابن
ولو سلمنا جدلا بادعاء الحفاظ على سوريا في الوقت الراهن، فإن ما يجري حقيقة هو خلاف ما يتفق عليه، فبعد اللقاء مع الشيباني يرفع الهجري عقيرته ليطالب بانفصال تام عن سوريا، انفصال السويداء وما حولها التي تكاد تكون سلمت للهجري أو الكيان والأمر سيان.
العجيب جرأة الشرع على السرعة في التنصل من الثورة، وهذا يثبت بشكل أو بآخر أنه فعلا لا ينتمي إلى الثورة، وإنما متسلق عليها ملتف على أصولها، يفكر بعقلية من سبقه إلى القصر بأنه سيحمل أهل الشام على ما يريد، كما فعل سكان القصر قبله، وقد يكون اعتماده وجرأته قائمة على تطمينات من المبعوث الأمريكي المقيم في دمشق،
لكن يبدو أن الشرع وأمريكا نسوا أو تناسوا أن أهل الشام في ثورتهم تشربوا الإسلام حتى تشكلوا بشكله، وثاروا يوم لم يظن أحد من العالمين أنهم سيفعلون، وهم أهل الشام الذين تكفل الله بها،
نعم هي صيحة وصرخة واستجداء لأهل الشام أن يسرعوا بالقضاء على المتآمر على الشام مرة أخرى، لا لأن أهل الشام لن يثوروا، بل لأن التأخر في الثورة معناه زيادة التكلفة.
* الأستاذ أحمد عبد الحي
28/08/2025